سميح دغيم

15

موسوعة مصطلحات صدر الدين الشيرازي

أكثر ما ينبغي . ومع ذلك كله الشوق ؛ بحاله ، وحرقة النفس كما كانت ، بل ازداد الشوق والاضطراب كما قال قائلهم : أعانقها والنفس بعد مشوقة * إليها وهل بعد العناق تداني وألثم فاها كي تزول حرارتي * فيزداد ما ألقى من الهيجان كأنّ فؤادي ليس يشفي غليله * سوى أن يرى الروحان يتّحدان والسبب اللمّي في ذلك أنّ المحبوب في الحقيقة ليس هو العظم ولا اللحم ولا شيء من البدن ، بل ولا يوجد في عالم الأجسام ما تشتاقه النفس وتهواه ، بل صورة روحانية موجودة في غير هذا العالم ( سفع ( 3 / 2 ) ، 178 ، 4 ) - إنّ الاتحاد بين الشيئين يتصوّر على وجوه ثلاثة : الأول : أن يتّحد بموجود بعد أن يتعدّد أو بأن يصير الوجودان لشيئين وجودا واحدا . وهذا محال لا شكّ في استحالته لما ذكره الشيخ ( ابن سينا ) وغيره من دلائل نفي الاتحاد . والثاني : إنّ ماهيّة من الماهيّات ومعنى من المعاني تصير هي بعينها ماهيّة أخرى ومعنى آخر بالحمل الذاتي الأوّلي . وهذا أيضا من الممتنعات ، فإن المفهومات المتغايرة لا يمكن أن تصير مفهوما واحدا ، فإنّ كل ماهيّة من حيث هي لا يمكن أن يكون ماهيّة أخرى لذاتها إلّا بأن يبطل وجود أحدها ويحدث وجود غيرها . والثالث : أن يصير موجودا بحيث يصدق عليه معنى عقلي وماهيّة كلّية بعدما لم يكن صادقا عليه أولا لاشتداد وقع في وجوده ، واستكمال حصل في هويّته الشخصية المستمرّة على نعت الاتصال . وهذا ليس بمستحيل ؛ ألا ترى أن صورة الإنسان الواحد في مبدأ كونه جنينا بل نطفة إلى غاية كونه عقلا ومعقولا يتوارد عليه الأطوار ؟ وأن جميع المعاني المعقولة التي وجدت أفرادها متفرّقة في الجماد والنبات والحيوان توجد مجتمعة على وجه بسيط في الإنسان ؟ لا يقال : هذه المعاني المتكثّرة إنّما يوجد في الإنسان لأجل تكثّر قواه لا بحسب قوة واحدة . لأنّا نقول : بل بحسب صورة ذاته الواحدة المتضمّنة لقواه ؛ فإن جميع قوى الإنسان المدركة والمحرّكة الحيوانية والطبيعية يفيض على مادة البدن ، ومواضع الأعضاء من مبدأ واحد بسيط هو نفسه وحقيقة ذاته ؛ وتلك القوى كلّها فروع ذلك الأصل ، وهو حسّ الحواس وعامل الأعمال ، كما أن العقل البسيط الذي أثبته الحكماء هو أصل المعقولات المتّصلة النفسانيّة . وسينكشف ذلك في هذه الرسالة أن العقل الفعّال في أنفسنا هو كل المعاني الموجودة في المعلولات بحسب الصدق والتحقيق . وبالجملة كون ذات واحدة بحيث يصدق عليها لذاتها معنى ، لم تكن تلك الذات مصداقة له أوّلا ، ليس ممتنعا ، وكذا صيرورة ذات بحيث يصدق عليها ما يصدق على ذوات كثيرة متغايرة ليس ممتنعا . ( رست ، 144 ، 18 )